قمصان أندية مدريد: كيف شكلت أندية إنجلترا الهوية البصرية للريال وأتلتيكو؟

سلطت التقارير الرياضية الحديثة الضوء على الجذور التاريخية والارتباط الوثيق الذي يجمع بين قمصان أندية مدريد وكرة القدم الإنجليزية. وعلى الرغم من المنافسة الشديدة والتاريخ العريق الذي يتمتع به قطبا العاصمة الإسبانية، ريال مدريد وأتلتيكو مدريد، فإن ألوان قمصانهما الشهيرة المستعملة حتى اليوم تعود في أصلها إلى أندية إنجليزية قديمة تركت بصمة لا تمحى على الهوية البصرية لكلا الناديين منذ بدايات القرن العشرين.

تعود قصة الزي الأبيض الشهير لنادي ريال مدريد إلى أوائل القرن العشرين، وتحديداً عندما تأثر مؤسسو النادي العاصمي بأسلوب وفلسفة فريق كورينثيان الإنجليزي للهواة، الذي كان يتخذ من لندن مقراً له وكان يمثل رمزاً للروح الرياضية والأناقة في اللعبة. قرر القائمون على النادي الإسباني حينها اعتماد اللون الأبيض الكامل تيمناً بالفريق الإنجليزي الذي كان يخوض مبارياته بأزياء بيضاء ناصعة. ورغم مرور العقود وتطور التصاميم ودخول شركات الرعاية العالمية، حافظ النادي الملكي على هذا اللون الذي أصبح مرادفاً للهيبة والسيطرة القارية، ليبقى القميص الأبيض مدرجاً ضمن أشهر القمصان في تاريخ الرياضة العالمية.

أما بالنسبة للمنافس العاصمي، أتلتيكو مدريد، فإن حكاية اختيار ألوانه الحمراء والبيضاء تحمل طابعاً مغامراً ومثيراً يرتبط بالصناعة والصدفة في إنجلترا. تأسس النادي في البداية عام 1903 كفرع لنادي أثلتيك بلباو على يد مجموعة من الطلاب الباسكيين المقيمين في مدريد، وكان الفريق يرتدي في بداياته القمصان المكونة من اللونين الأزرق والأبيض مناصفة، مستلهماً ذلك من نادي بلاكبيرن روفرز الإنجليزي الذي كان يعتبر أحد القوى الكبرى في اللعبة آنذاك، واستمر هذا التصميم لعدة سنوات قبل أن تطرأ عليه تغييرة جذرية شكلت هويته الحالية.

في عام 1909، أُرسل أحد لاعبي وأعضاء مجلس إدارة النادي، خوان إيلوردوي، في رحلة إلى إنجلترا لشراء أطقم جديدة من قمصان بلاكبيرن روفرز ذات اللونين الأزرق والأبيض لناديي بلباو ومدريد. إلا أن إيلوردوي لم يتمكن من العثور على أعداد كافية من تلك القمصان أثناء وجوده هناك، وقبل عودته عبر ميناء ساوثهامبتون، قرر شراء قمصان نادي ساوثهامبتون الإنجليزي ذات الخطوط الحمراء والبيضاء العمودية. وعند عودته إلى إسبانيا، تم اعتماد هذه القمصان الجديدة، ومنذ ذلك الحين أصبحت الخطوط الحمراء والبيضاء هي العلامة الفارقة لنادي أتلتيكو مدريد، وشكلت لقبه الشهير الروخي بلانكوس.

أدى اعتماد القمصان ذات الخطوط الحمراء والبيضاء إلى إطلاق لقب تاريخي آخر على نادي أتلتيكو مدريد وهو لوس كولتشونيروس، أي صناع الأفرشة. وتعود خلفية هذا اللقب إلى أن أغطية المراتب والقماش المستخدم في تصنيع الأفرشة المنزلية في إسبانيا خلال تلك الفترة كانت تُصنع بأقمشة مخططة باللونين الأحمر والأبيض. وبفضل تلك الصدفة التجارية التي وقعت في ميناء إنجليزي، ارتبطت هوية النادي بالتراث العمالي والشعبي، ليصبح الزي المخطط باللونين الأحمر والأبيض مع السروال الأزرق رمزاً راسخاً للنادي في المنافسات المحلية والقارية.

إن النظرة المتفحصة لتاريخ كرة القدم تكشف كيف أسهمت العلاقات الكروية المبكرة بين إنجلترا وإسبانيا في صياغة هوية أبرز الأندية العالمية. ولم تكن حالة قمصان أندية مدريد استثناءً، بل كانت مرآة للتأثير الكروي البريطاني المباشر على شبه الجزيرة الإيبيرية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتبرز هذه التفاصيل التاريخية كيف أن رموزاً رياضية عالمية نراها اليوم في البطولات الكبرى تتشارك أصولها مع أندية إنجليزية قديمة، بعضها لا يزال يلعب في الدرجات الأدنى بينما تحولت الأندية التي استلهمت منها أزياءها إلى عمالقة كرة القدم العالمية.

ختاماً، يظل الرمز البصري لكرة القدم أحد أهم عناصر الهوية والانتماء لدى الجماهير حول العالم. وتؤكد القصة التاريخية لـ قمصان أندية مدريد أن كرة القدم هي لغة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية، حيث تحولت الأزياء المستوردة من أندية إنجليزية كلاسيكية إلى أيقونات مجد رياضية تتلألأ في سماء العاصمة الإسبانية وفي أكبر المحافل الكروية حول العالم.